ابن عجيبة
601
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ذلك انتبه مرعوبا ، وجمع ندماءه ، ودعا المفسرين ، فقال : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ؛ اعبروها ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي : إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا . قالُوا : هذه أَضْغاثُ أَحْلامٍ ؛ تخاليطها ، جمع ضغث ، وأصله : ما جمع من أخلاط النبات وحزم ، فاستعير للرؤيا الكاذبة . وإنما جمعوا أَحْلامٍ ؛ للمبالغة في وصف الحلم بالكذب . ثم قالوا : وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ، والمعنى : ليس لها تأويل عندنا ؛ لأنها أكاذيب الشيطان ، وإنما التأويل للمنامات الصادقة . وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما من صاحبي السجن ، وهو الساقي ، وكان حاضرا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي : وتذكر بعد جماعة من السنين ، وهي سبع سنين ، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده علمها ، أو إلى السجن . روى أنه لما سمع مقالة الملك بكى ، فقال الملك : مالك تبكى ؟ قال : أيها الملك ؛ إن رؤياك هذه لا يعبرها إلا الغلام العبراني الذي في السجن ، فتغير وجه الملك ، وقال : إني نسيته ، وما ذكرته منذ سبع سنين ، ما خطر لي ببال . فقال الساقي : وأنا مثلك ، فقال له الملك : وما يدريك أنه يعبر الرؤيا ؟ فحدثه بأمره ، وأمر الساقي فقال له : امض إليه وسله ، فقال : إني واللّه أستحى منه ؛ لأنه أوصاني ونسيت ، فقال له : لا تستح منه ؛ لأنه يرى الخير والشر من مولاه فلا يلومك . فأتاه . فقال : يُوسُفُ أي : يا يوسف ، أَيُّهَا الصِّدِّيقُ : المبالغ في الصدق . وإنما وصفه بالصّدّيقية لما جرب من أحواله ، وما رأى من مناقبه ، مع ما سمع من تعبير رؤياه ورؤيا صاحبه ، أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ، وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي : أفتني في رؤيا ذلك واعبرها لي ، لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي : أعود إلى الملك ومن عنده ، أو إلى أهل البلد ؛ إذ قيل : إن السجن كان خارج البلد . لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ تأويلها . أو يعلمون فضلك ومكانتك . وإنما لم يجزم بعلمهم ؛ لأنه ربما اخترم دونه ، أو لعلهم لا يفهمون ما يقول لهم . قالَ في تعبيرها : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً أي : على عادتكم المستمرة من الخصب والرخاء . فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ : اتركوه فِي سُنْبُلِهِ ؛ لئلا تأكله السوس ، وهي نصيحة خارجة عن عبارة الرؤيا ، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك السنين ، أي : لا تدرسوا منه إلا ما تحتاجون إلى أكله خاصة ، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين . فعلمهم حيلة يبقى بها السنين المخصبة إلى السنين المجدبة ، وهو أن يتركوه في سنبله غير مدرس ؛ فإن الحبة إذا بقيت في غشائها حفظت بإذن اللّه .